أبي الفرج الأصفهاني
168
الأغاني
الخوارج : يا أعداء اللَّه ، أنحن نفسد في الأرض ! إنما خرجنا لنكفّ أهل الفساد ، ونقاتل من قاتلنا واستأثر بالفيء فانظروا لأنفسكم ، واخلعوا من لم يجعل اللَّه له طاعة ، فإنه / لا طاعة لمن عصى اللَّه ، وادخلوا في السّلم ، وعاونوا أهل الحقّ ، فقال له [ 1 ] عبد العزيز : ما تقول في عثمان ؟ قال : قد برئ المسلمون منه قبلي ، وأنا متّبع آثارهم ، ومقتد بهم ، قال : فارجع إلى أصحابك ، فليس بيننا وبينهم إلا السيف . الآن حلت لكم دماؤهم : فرجع إلى أبي حمزة ، فأخبره ، فقال : كفّوا عنهم ، ولا تقاتلوهم . حتى يبدؤكم بالقتال ، فواقفوهم ، ولم يقاتلوهم . فرمى رجل من أهل المدينة في عسكر أبي حمزة بسهم ، فجرح رجلا ، فقال أبو حمزة : شأنكم الآن بهم ، فقد حلّ قتالهم : فحملوا عليهم ، وثبت بعضهم لبعض ، وراية قريش مع إبراهيم بن عبد اللَّه بن مطيع . ثم انكشف أهل المدينة ، فلم يتبعوهم ، وكان على مجنّبتهم ضمير بن صخر بن أبي الجهم بن حذيفة ، فكرّ وكرّ الناس معه ، فقاتلوا قليلا ، ثم انهزموا ، فلم يبعدوا . حتى كرّوا ثالثة ، وقاتلهم أبو حمزة ، فهزمهم هزيمة / لم تبق منهم باقية ، فقال له عليّ بن الحصين : أتبع القوم ، أو دعني أتبعهم ، فأقبل المدبر ، وأذفّف [ 2 ] على الجريح ، فإن هؤلاء أشرّ علينا من أهل الشأم ، فلو قد جاؤوك غدا لرأيت من هؤلاء ما تكره ، فقال : لا أفعل ، ولا أخالف سيرة أسلافنا . وأخذ جماعة منهم أسراء ، فأراد إطلاقهم ، فمنعه عليّ بن الحصين ، وقال له : إنّ لأهل كلّ زمان سيرة ، وهؤلاء لم يؤسروا وهم هرّاب ، وإنما أسروا وهم يقاتلون ، ولو قتلوا في ذلك الوقت لم يحرم قتلهم ، وكذلك الآن قتلهم حلال ، فدعا بهم ، فكان إذا رأى رجلا من قريش قتله ، وإذا رأى رجلا من الأنصار أطلقه ، فأتي بمحمد بن عبد اللَّه بن عمرو بن عثمان ، فنسبه . فقال : أنا رجل من الأنصار ، فسأل الأنصار عنه ، فشهدوا له ، فأطلقه ، فلما ولَّى قال : واللَّه إني لأعلم أنه قرشيّ وما حذاوه [ 3 ] هذا حذاوة أنصاريّ ، ولكن قد أطلقته . / قال : وبلغت قتلى قديد ألفين ومائتين وثلاثين رجلا ، منهم من قريش أربعمائة وخمسون رجلا ، ومن الأنصار ثمانون ، ومن القبائل والموالي ألف وسبعمائة ، قال : وكان في قتلى قريش من بني أسد بن عبد العزّى أربعون رجلا ، وقتل يومئذ أمية بن عبد اللَّه بن عمرو بن عثمان ، خرج يومئذ مقنّعا ، فما كلَّم أحدا ، وقاتل حتى قتل ، وقتل يومئذ سميّ مولى أبي بكر الذي يروي عنه مالك بن أنس ، ودخل بلج المدينة بغير حرب ، فدخلوا في طاعته ، وكف عنهم ، ورجع أبو حمزة إلى مكة ، وكان على شرطته أبو بكر بن عبد اللَّه بن عمرو من آل سراقة من بني عديّ ، فكان أهل المدينة يقولون : لعن اللَّه السّراقيّ ، ولعن بلجا العراقي . نائحة المدينة تبكي قتلى قديد : وقالت نائحة أهل المدينة تبكيهم : ما للزمان وماليه أفنت قديد رجاليه فلأبكينّ سريرة ولأبكينّ علانيه
--> [ 1 ] ضمير « له » يعود على بلج بن عتبة ، وإن لم يتقدم ذكره . [ 2 ] أذفف : أجهز . [ 3 ] حذاوة : شبه .